حلية الأولياء
52 ـ عن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين قال : لما قال سفيان الثوري : لا أقوم حتى تحدثني ، قال له : أنا أحدثك ، وما كثرة الحديث لك بخير ؛ يا سفيان ، إذا أنعم الله عليك بنعمة ، فأحببت بقاءها ودوامها : فأكثر من الحمد والشكر عليها ، فإن الله قال في كتابه : ( لئن شكرتم لأزيدنكم )وإذا استبطأت الرزق : فأكثر من الاستغفار ، فإن الله تعالى قال في كتابه : ( استغفروا ربكم إنه كان غفاراً * يرسل السماء عليكم مدراراً * ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا) يا سفيان ، إذا حزبك ، أمر من سلطان أو غيره ، فأكثر من : لا حول ولا قوة إلا بالله ، فإنها مفتاح الفرج ، وكنز من الكنوز الجنة ؛ فقعد سفيان بيده ، وقال : ثلاث وأي ثلاث ! قال جعفر : عقلها والله أبو عبدالله ، ولينفعه الله بها .
53 ـ قال الفضيل بن عياض للفيض بن إسحاق : تريد الجنة مع النبيين والصديقين ؟ وتريد أن تقف الموقف ، مع نوح وإبراهيم ومحمد عليهم الصلاة والسلام ؟ بأي عمل ، وأي شهوة تركتها لله ؛ وأي قريب باعدته في الله ؛ وأي بعيد قربته في الله .
54 ـ عن سفيان الثوري قال : ليس شيء أقطع لظهر إبليس ، من قول : لا إله إلا الله ؛ ولا شيء يضاعف ثوابه من الكلام مثل : الحمد لله .
55 ـ عن زهير الباني قال : مات ابن لمطرف بن عبدالله بن الشخير ، فخرج على الحي ـ قد رجّل جمته ، ولبس حلته ـ فقيل له : ما نرضى منك بهذا ، وقد مات ابنك ؛ فقال : أتأمروني أن أستكين للمصيبة ؟ فوالله ، لو أن الدنيا وما فيها لي ، فأخذها الله مني ، ووعدني عليها شربة ماء غداً ، ما رأيتها لتلك الشربة أهلاً ؛ فكيف : بالصلوات ، والهدى ، والرحمة .
56 ـ عن رواد بن الجراح قال : قال سفيان لعطاء بن مسلم : كيف حبك اليوم لأبي بكر ؟ قال : شديد ؛ قال : كيف حبك لعمر ؟ قال : شديد ؛ قال : كيف حبك لعلي ؟ قال : شديد ـ وطوّلها ، وشددها ـ ؛ فقال سفيان : هذه الشديدة : تريد كيّة وسط رأسك .
57 ـ عن أبي قلابة : أن أبا الدرداء رضي الله تعالى عنه مرّ على رجل قد أصاب ذنباً ، فكانوا يسبونه ؛ فقال : أرأيتم ، لو وجدتموه في قليب ، ألم تكونوا مستخرجيه ؟ قالوا : نعم ؛ قال : فلا تسبوا أخاكم ، واحمدوا الله الذي عافاكم ؛ قالوا : أفلا نبغضه ؟ قال : إنما أبغض عمله ، فإذا تركه ، فهو أخي .
58 ـ قال أبو الدرداء : ادع الله تعالى في يوم سرائك ، لعله أن يستجيب لك في يوم ضرائك . وقال : إن خيركم : الذي يقول لصاحبه : اذهب بنا نصوم قبل أن نموت ؛ وإن شراركم : الذي يقول لصاحبه : اذهب بنا نأكل ، ونشرب ، ونلهو ، قبل أن نموت .
59 ـ عن يونس بن عبد الأعلى قال : قال لي الشافعي ذات يوم : يا يونس ، إذا بُلّغت عن صديق لك ما تكرهه ، فإياك أن تبادر بالعداوة ، وقطع الولاية ، فتكون ممن أزال يقينه بشك ؛ ولكن القه ، وقل له : بلغني عنك كذا و كذا ، وأجدر أن تسمي المبلغ ؛ فإن أنكر ذلك ، فقل له : أنت أصدق ، وأبر ؛ ولا تزيدن على ذلك شيئاً ؛ وإن اعترف بذلك ، فرأيت له في ذلك وجهاً بعذر ، فاقبل منه ؛ وإن لم يرد ذلك ، فقل له : ماذا أردت بما بلغني عنك ؟ فإن ذكر ما له وجه من العذر ، فاقبله ؛ وإن لم يذكر لذلك وجهاً لعذر ، وضاق عليك المسلك ، فحينئذ أثبتها عليه سيئة أتاها ؛ ثم أنت في ذلك بالخيار : إن شئت كافأته بمثله من غير زيادة ، وإن شئت عفوت عنه ؛ والعفو أبلغ للتقوى ، وأبلغ في الكرم ، لقوله الله تعالى : ( وجزاء سيئةٍ سيئةٌ مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله ) . فإن نازعتك نفسك بالمكافأة ، فاذكر فيما سبق له لديك ، ولا تبخس باقي إحسانه السالف بهذه السيئة ، فإن ذلك : الظلم بعينه ؛ وقد كان الرجل الصالح يقول : رحم الله من كافأني على إساءتي ، من غير أن يزيد ، ولا يبخس حقاً لي ؛ يا يونس : إذا كان لك صديق ، فشد يديك به ، فإن اتخاذ الصديق صعب ، ومفارقته سهل ؛ وقد كان الرجل الصالح يشبّه سهولة مفارقة الصديق : بصبي يطرح في البئر حجراً عظيماً ، فيسهل طرحه عليه ، ويصعب إخراجه على الرجال البرك ؛ فهذه وصيتي لك ، والسلام .
60 ـ عن مالك بن دينار قال : إن الصدق يبدو في القلب ضعيفاً ، كما يبدو نبات النخلة : يبدو غصناً واحداً ، فإذا نتفها صبي ، ذهب أصلها ، وإن أكلتها عنز ذهب أصلها ؛ فتسقى ، فتنتشر ، وتسقى ، فتنتشر ؛ حتى يكون لها أصل أصيل يوطأ ، وظل يستظل به ، وثمرة يؤكل منها ؛ كذلك الصدق ؛ يبدو في القلب ضعيفاً ، فيتفقده صاحبه ، ويزيده الله تعالى ، ويتفقده صاحبه ؛ فيزيده الله ؛ حتى يجعل الله بركة على نفسه ، ويكون كلامه دواء للخاطئين ؛ قال : ثم يقول مالك : أما رأيتموهم ؟ ثم يرجع إلى نفسه ، فيقول : بلى والله ، لقد رأيناهم : الحسن ، وسعيد بن جبير ، وأشباههم ؛ الرجل منهم : يحيي الله بكلامه الفئام من الناس .
61 ـ عن معاوية بن قرة قال : قال معاذ بن جبل لابنه : يا بني : ، إذا صليت صلاة : فصل صلاة مودع ، لا تظن أنك تعود إليها أبداً ؛ واعلم يا بني : أن المؤمن يموت بين حسنتين : حسنة قدّمها ، وحسنة أخّرها .
62 ـ عن سفيان بن عيينة قال : لاتكن مثل العبد السوء ، لايأتي ، حتى يدعى ؛ ائت الصلاة قبل النداء .
63 ـ قال رجل للشعبي : عندي مسائل شداد خبأتها لك ؛ فقال : أخبئها لأخيك الشيطان .
تعليقات
إرسال تعليق