سير أعلام النبلاء


فوائد من المجلد الثالث : 


1 ـ قيل أن حكيم بن حزام  ، باع دار الندوة من معاوية بمئة ألف . فقال له ابن الزبير : بعت مكرمة قريش ، فقال : ذهبت المكارم يا ابن أخي إلا التقوى ، إني اشتريت بها داراً في الجنة ، أُشهدكم أني قد جعلتها لله .



2 ـ صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نازل عبدالله بن عمرو بن العاص في ختم القرآن إلى ثلاث ، ونهاه أن يقرأه في أقل من ثلاث وهذا كان في الذي نزل من القرآن ، ثم بعد هذا القول نزل ما بقي من القرآن . فأقل مراتب النهي أن تُكره تلاوة القرآن كله في أٌقل من ثلاث ، فما فقه ولا تدبر من تلى في أقل من ذلك . ولو تلا ورتل في أسبوع ، ولازم ذلك ، لكان عملاً فاضلاً ، فالدين يسر ، فوالله إن ترتيل سُبع القرآن في تهجد قيام الليل مع المحافظة على النوافل الراتبة ، والضحى ، وتحية المسجد ، مع الأذكار المأثورة الثابتة ، والقول عند النوم واليقظة ، ودُبُر المكتوبة والسحر ، مع النظر في العلم النافع والاشتغال به مخلصاً لله ، مع الأمر بالمعروف ، وإرشاد الجاهل وتفهميه ، وزجر الفاسق ، ونحو ذلك ، مع أداء الفرائض في جماعة بخشوع وطمأنينة وانكسار وإيمان ، مع أداء الواجب ، واجتناب الكبائر ، وكثرة الدعاء والاستغفار ، والصدقة وصلة الرحم ، والتواضع ، والإخلاص وجميع ذلك ، لشُغْلٌ عظيم جسيم ، ولمقام أصحاب اليمين وأولياء الله المتقين ، فإن سائر ذلك مطلوب . فمتى تشاغل العابد بختمة في كل يوم ، فقد خالف الحنيفية السمحة ، ولم ينهض بأكثر ما ذكرناه ولا تدبر ما يتلوه . 
هذا السيد العابد الصاحب كان يقول لما شاخ : ليتني قبلت رخصة رسول الله  . وكذلك قال له عليه السلام في الصوم ، وما زال يناقصه حتى قال له : ( صم يوماً وأفطر يوماً ، صوم أخي داود  ) وثبت أنه قال : ( أفضل الصيام صيام داود ) . ونهى عن صيام الدهر . وأمر  بنوم قسط من الليل ، وقال : ( لكني أقوم وأنام ، وأصوم وأفطر ، وأتزوج النساء ، وآكل اللحم ، فمن رغب عن سنتي فليس مني ) . 

وكل من لم يزم نفسه في تعبده وأوراده بالسنة النبوية ، يندم ويترهب ويسوء مزاجه ، ويفوته خير كثير من متابعة سنة نبيه الرؤوف الرحيم بالمؤمنين ، الحريص على نفعهم ، وما زال  معلماً للأمة أفضل الأعمال ، وآمراً بهجر التبتل والرهبانية التي لم يبعث بها ، فنهى عن سرد الصوم ، ونهى عن الوصال ، وعن قيام أكثر الليل إلا في العشر الأخير ، ونهى عن العُزبة للمستطيع ، ونهى عن ترك اللحم إلى غير ذلك من الأوامر والنواهي . فالعابد بلا معرفة لكثير من ذلك معذور مأجور ، والعابد العالم بالآثار المحمدية ، المتجاوز لها مفضول مغرور ، وأحب الأعمال إلى الله تعالى أدومها وإن قلّ . ألهمنا الله وإياكم حسن المتابعة ، وجنبنا الهوى والمخالفة . 



3 ـ أخذت معاوية بن أبي سفيان  قِرةٌ ( برد ) فاتخذ لحفاً خِفافاً تُلقى عليه ، فلم يلبثْ أن يتأذى بها . فإذا رُفعت ، سأل أن تُرد عليه ، فقال : قبحك الله من دار ، مكثت فيك عشرين سنة أميراً ، وعشرين سنة خليفة ، وصرت إلى ما أرى .



4 ـ عن عبدالله بن دينار ، قال : خرجت مع ابن عمر إلى مكة ، فعرّسنا ، فانحدر علينا راع من جبل ، فقال له ابن عمر : أراع ؟ قال : نعم ، قال : بعني شاة من الغنم . قال : إني مملوك ، قال : قل لسيدك : أكلها الذئب . قال : فأين الله عز وجل ؟ قال ابن عمر : فأين الله ! ! ثم بكى ، ثم اشتراه بعد ، فأعتقه ! .


5 ـ كتب الحجاج إلى ابن عمر : بلغني أنك طلبت الخلافة وإنها لا تصلح لعيي ولا بخيل ولا غيور . فكتب إليه : أما ما ذكرت من الخلافة فما طلبتها ، وماهي من بالي ، وأما ما ذكرت من العي ، فمن جمع كتاب الله ، فليس بعيي . ومن أدى زكاته ، فليس ببخيل . وإن أحق ما غرت فيه ولدي أن يشركني فيه غيري .



6 ـ قال ابن عمر : إني لأخرج ومالي حاجة إلا أن أُسلّم على الناس ، ويسلمون عليّ . 



7 ـ كتب رجل إلى ابن عمر أن اكتب إليّ بالعلم كله . فكتب إليه : إن العلم كثير ، ولكن إن استطعت أن تلقى الله خفيف الظهر من دماء الناس ، خميص البطن من أموالهم ، كاف اللسان عن أعراضهم ، لازماً لأمر جماعتهم ، فافعل .

8 ـ عن نافع أو غيره ، أن رجلاً قال لابن عمر : يا خير الناس ، أو ابن خير الناس . فقال : ما أنا بخير الناس ، ولا ابن خير الناس ، ولكني عبد من عباد الله ، أرجو الله ، وأخافه ، والله لن تزالوا بالرجل حتى تهلكوه .


9 ـ عن عبيد بن حنين ، عن الحسين ( بن علي  ) قال : صعدت المنبر إلى عمر ، فقلت : انزل عن منبر أبي ، واذهب إلى منبر أبيك . فقال : إن أبي لم يكن له منبر ! فأقعدني معه ، فلما نزل ، قال : أي بُني ! من علّمك هذا ؟ قلت : ما علّمنيه أحد . قال : أي بني ! وهل أنبت على رؤوسنا الشعر إلا الله ثم أنتم ! ووضع يده على رأسه ، وقال : أي بني ! لو جعلت تأتينا وتغشانا .



10 ـ عبدالله بن حنظلة الغسيل بن أبي عامر من صغار الصحابة ، استشهد أبوه يوم أحد ، فغسلته الملائكة لكونه جنباً ، فلو غُسّل الشهيد الذي يكون جنباً استدلالاً بهذا لكان حسناً .


11 ـ عن الأصمعي ؛ أن امرأة أتت بدجاجة مسموطة ، فقالت لابن جعفر ( عبدالله بن جعفر بن أبي طالب ) : بأبي أنت ! هذه الدجاجة كانت مثل بنتي ، فآليت أن لا أدفنها إلا في أكرم موضع أقدر عليه ؛ ولا والله ما في الأرض أكرم من بطنك . قال خذوها منها ، واحملوا إليها ، فذكر أنواعاً من العطاء ، حتى قالت : بأبي أنت ! إن الله لا يُحب المسرفين .



12 ـ أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب  ، قال أبو عمر بن عبدالبر : قال عمر لعليّ : زوجنيها أبا حسن ، فإني أرصد من كرامتها ما لا يرصد أحد ، قال : فأنا أبعثها إليك ، فإن رضيتها ، فقد زوجتكها ـ يعتل بصغرها ـ قال : فبعثها إليه بِبُرد ، وقال لها : قولي له : هذا البرد الذي قلت لك ؛ فقالت له ذلك . فقال : قولي له : قد رضيت رضي الله عنك ، ووضع يده على ساقها ، فكشفها ، فقالت : أتفعل هذا ؟ لولا أنك أمير المؤمنين ، لكسرت أنفك ، ثم مضت إلى أبيها ، فأخبرته وقالت : بعثتني إلى شيخ سوء ! قال : يا بُنيّة إنه زوجك . 


13 ـ قيس بن ذريح الليثي ، شاعر محسن ، كان يُشبب بأمر معمر لُبنى بنت الحباب الكعبيّة ، ثم أنه تزوج بها . ونظمه في الذروة العليا ، رقة ، وحلاوة ، وجزالة .



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك

حلية الأولياء

حلية الأولياء