سير أعلام النبلاء
فوائد من المجلد الثاني عشر :
1. قال ابن السكيت : كتب رجل إلى صديق له : قد عرضتُ حاجة إليك ، فإن نجحت فالفاني منها حظي ، والباقي حظك . وإن تعذرت فالخير مظنون بك ، والعذر مقدم لك ، والسلام .
2. قيل : كتاب ( إصلاح ابن المنطق ) كتاب بلا خطبة ، وكتاب ( أدب الكاتب ) خطبة بلا كتاب .
قلت ( الذهبي ) : إصلاح المنطق كتاب نفيس مشكور في اللغة.
3. قال علي بن الجهم : كان المتوكل مشغوفاً بقبيحة لا يصبر عنها . فوقفتْ له وقد كتبتْ على خدها بالغالية (1) : جعفر ، فتأملها ، ثم أنشأ يقول :
وكاتبة بالمسك في الخد جعفراً =بنفسي محط المسك من حيث أثرا
لئن أودعَتْ سطراً من المسك خدها=لقد أودعَتْ قلبي من الحُبِّ أسطُرا (1) الغالية: هي نوع من الطيب مركب من مسك وعنبر ودهن .
4. أصل المدونة أسئلة سألها أسد بن الفرات لابن القاسم . فلما ارتحل سُحنون بها عرضها على ابن القاسم ، فأصلح فيها كثيراً ، وأسقط ، ثم رتبها سحنون ، وبوبها ، واحتج لكثير من مسائلها بالآثار من مروياته ، مع أن فيها أشياء لا ينهض دليلها ، بل رأي محض . وحكوا أن سحنون في أواخر الأمر علّم عليها ، و هَمَّ بإسقاطها وتهذيب ( المدونة ) ، فأدركته المنية رحمة الله . فكبراء المالكية ، يعرفون تلك المسائل ، ويقررون ما قدروا عليه ، ويوهَّنون ما ضعفُ دليله . فهي لها أسوة بغيرها من دواوين الفقه . وكل أحد فيؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب ذلك القبر تسليماً . فالعلم بحر بلا ساحل ، وهو مُفَرَّقٌ في الأمة ، موجود لمن التمسه .
وتفسير سحنون بأنه اسم طائر بالمغرب ، يُوصف بالفِطنة والتحرز ، وهو بفتح السين وبضمها .
5. الإمام الحافظ ، راوية الإسلام ، أبو بكر العبدي البصري بُنْدَار ، لُقِّب بذلك ، لأنه كان بندار الحديث في عصره ببلده ، والبُنْدَار الحافظ .
قال عبدالله بن جعفر بن خاقان المروزي : سمعتُ بُنْدَراً يقول : أردتُ الخروج يعني : الرحلة ـ فمنعتني أمي ، فأطعتها ، فبورك لي فيه .
6. قال الحسن بن عبدالعزيز الجروي : من لم يردعه القرآن والموت ، ثم تناطحت الجبال بين يديه ، لم يرتدع .
7. قال الإمام الذهبي : وأما الصحيح ( البخاري ) فهو أعلى ما وقع لنا من الكتب الستة في أول ما سمعتُ الحديث ، وذلك في سنة اثنتين وتسعين وست مئة . فما ظنك بعلوه اليوم وهو سنة خمس عشرة وسبع ومئة ! لو رحل الرجلُ من مسيرة سنة لسماعه لما فرّط . كيف وقد دام علوه إلى عام ثلاثين ، وهو أعلى الكتب الستة سنداً إلى النبي في شيء كثير من الأحاديث ، وذلك لأن أبا عبدالله أسنُّ الجماعة ، وأقدمهم لقياً للكبار ، أخذ عن جماعة يروي الأئمة الخمسة عن رجل عنهم .
8. قال الإمام البخاري : وكنتُ أختلف إلى الفقهاء بمرو وأنا صبي ، فإذا جئت أستحي أن أسلم عليهم ، فقال لي مؤدب من أهلها : كم كتبت اليوم ؟ فقلتُ : اثنين ، وأردت بذلك حديثين ، فضحك من حضر المجلس . فقال شيخ منهم : لا تضحكوا ، فلعله يضحك منكم يوماً !
9. قال بكر بن منير : سمعتُ أبا عبدالله البخاري يقول : أرجو أن ألقى الله ولا يحاسبني أني اغتبت أحداً .
10. كان كثير من أصحابه ( البخاري ) يقولون له : إن بعض الناس يقع فيك ، فيقول : ( إن كيد الشيطان كان ضعيفا ) ويتلو أيضاً : ( ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله ) فقال له عبدالمجيد بن إبراهيم : كيف لا تدعو على هؤلاء الذين يظلمونك ويتناولونك ويبهتونك ؟ فقال : قال النبي : ( اصبروا حتى تلقوني على الحوض ) ، وقال : ( من دعا على ظالمه ، فقد انتصر ).
11. الإمام العلامة المزني امتلأت البلاد بمختصره في الفقه ، وشرحه عدة من الكبار ، بحيث يقال : كانت البِكْر يكون في جهازها نسخة بمختصر المزني
.
12. وما زال العلماء قديماً وحديثاً يرد بعضهم على بعض في البحث وفي التواليف ، وبمثل ذلك يتفقه العالم ، وتتبرهن له المشكلات . ولكن في زماننا قد يعاقب الفقيه إذا اعتنى بذلك لسوء نيته ، ولطلبه للظهور والتكثر ، فيقوم عليه قضاة وأضداد . نسأل الله حسن الخاتمة ، وإخلاص العمل .
13. قال أحمد بن سلمة : وعقد مجلس لمُسلم مجلس الذاكرة ، فَذُكِر له حديث لم يعرفه ، فانصرف إلى منزله ، وأوقد السراج ، وقال لمن في الدار : لا يدخل أحد منكم . فقيل له : أُهديت لنا سلة تمر ، فقال : قدموها ، فقدموها إليه ، فكان يطلب الحديث ، ويأخذ تمرة تمرة ، فأصبح وقد فني التمر ، ووجد الحديث . رواها أبو عبدالله الحاكم . ثم قال : زادني الثقة من أصحابنا أنه منها مات .
تعليقات
إرسال تعليق