سير أعلام النبلاء
فوائد من المجلد الخامس :
1 ـ عن عكرمة أنه كان إذا رأى السُّؤَّال سبهم ، ويقول : كان ابن عباس يسبهم ، ويقول : لا تشهدون جمعة ولا عيداً إلاّ للمسألة والأذى ، وإذا كانت رغبة الناس إلى الله ، كانت رغبتهم إلى الناس .
قلت ( الذهبي ) : فكيف إذا انضاف إلى ذلك غنىً ما عن السؤال ، وقوة على التكسب .
2 ـ كان القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ، قليل الحديث ، قليل الفتيا ، وكان يكون بينه وبين الرجل المداراة في الشيء ، فيقول له القاسم : هذا الذي تريد أن تخاصمني فيه هو لك ، فإن كان حقاً ، فهو لك ، فخذه ، ولا تحمدني فيه ، وإن كان لي ، فأنت منه في حِلّ وهو لك .
3 ـ عن إبراهيم التيمي قال : إن الرجل ليظلمني فأرحمه ، وإذا رأيت الرجل يتهاون في التكبيرة الأولى فاغسل يدك منه .
4 ـ قال ميمون بن مهران : إذا أتى الرجل باب سلطان ، فاحتجب عنه ، فليأت بيوت الرحمن ، فإنها مُفتَّحة ، فليصل ركعتين ، وليسأل حاجته .
5 ـ عن الأوزاعي قال : مات عطاء بن أبي رباح يوم مات ، وهو أرضى أهل الأرض عند الناس ، وما كان يشهد مجلسه إلا تسعة أو ثمانية .
6 ـ عن عبدالعزيز بن عمر : قال لي رجاء بن حيوة : ما أكملَ مروءة أبيك ! سمرت عنده ، فعشي السراج ، وإلى جانبه وصيف نام ، قلت : ألا أنبهه ؟ قال : لا دعه ، قلت : أنا أقوم : قال : لا ، ليس من مروءة الرجل استخدامه ضيفه ، فقام إلى بطة الزيت ( إناء كالقارورة ) ، وأصلح السراج ثم رجع ، وقال : قمت وأنا عمر بن عبدالعزيز ، ورجعت وأنا عمر بن عبدالعزيز .
7 ـ قال ابن عيينه : كانوا يقولون : ما رفع قيس بن مسلم رأسه إلى السماء منذ كذا وكذا تعظيماً لله . قلت : ( الذهبي ) ورفع الرأس إلى السماء يلزم المسلم ليعرف مواقيت الصلاة ، والنجوم التي يُهتدى بها .
8 ـ قال الترمذي عن البخاري : رأيت أحمد وعليا ًوإسحاق وأبا عبيد وعامة أصحابنا يحتجون بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ، ما تركه أحد من المسلمين ، فمن الناس بعدهم ؟
قلت ( الذهبي ) : أستبعد صدور هذه الألفاظ من البخاري ، أخاف أن يكون أبو عيسى وهم . وإلا فالبخاري لا يعرّج على عمرو ، أفتراه يقول : فمن الناس بعدهم ، ثم لا يحتج به أصلاً ولا متابعة ؟
ثم إن أبا حاتم بن حبان تحرج من تليين عمرو بن شعيب ، وأداه اجتهاده إلى توثيقه ، فقال : والصواب في عمرو بن شعيب أن يحوّل من هنا إلى تاريخ الثقات ، لأن عدالته قد تقدمت .
فأما المناكير في حديثه إذا كانت روايته ، عن أبيه ، عن جده ، فحكمه حكم الثقات إذا رووا المقاطيع والمراسيل بأن يُترك من حديثهم المرسل والمقطوع ، و يحتج بالخبر الصحيح .
فهذا يوضح لك أن الآخر من الأمرين عند ابن حبان أن عمراً ثقة في نفسه ، وأن روايته عن أبيه عن جده إما منقطعة أو مرسلة ، ولا ريب أن بعضها من قبيل المسند المتصل ، وبعضها يجوز أن تكون روايته وجادة أو سماعاً ، فهذا محل نظر واحتمال . ولسنا ممن نعد نسخة عمرو عن أبيه عن جده من أقسام الصحيح الذي لا نزاع فيه من أجل الوجادة ، ومن أجل أن فيها مناكير . فينبغي أن يتأمل حديثه ، ويتحايد ما جاء منه منكراً ، ويروى ما عدا ذلك في السنن والأحكام محسّنين لإسناده ، فقد احتج به أئمة كبار ، ووثقوه في الجملة ، وتوقف فيه آخرون قليلاً ، وما علمت أن أحداً تركه .
9 ـ قال مصعب : سمع عامر بن عبدالله بن الزبير ، المؤذن وهو يجود بنفسه ، فقال : خذوا بيدي فقيل : إنك عليل ، قال : أسمع داعي الله الله ، فلا أجيبه ، فأخذوا بيده ، فدخل مع الإمام في المغرب ، فركع ، ثم مات .
10 ـ قال أبو مسهر : حدثنا عبدالرحمن بن عامر ، سمعت ربيعة بن يزيد يقول : ما أذن المؤذن لصلاة الظهر منذ أربعين سنة إلا وأنا في المسجد إلا أن أكون مريضاً أو مسافراً .
11 ـ قال الذهبي : كان عاصم ( بن أبي النجود ) ثبتاً في القراءة ، صدوقاً في الحديث ، وقد وثقه أبو زرعة وجماعة ، وقال أبو حاتم : محله الصدق ، وقال الدارقطني : في حفظه شيء يعني : للحديث لا للحروف ، وما زال في كل وقت يكون العالم إماماً في فن مقصراً في فنون . وكذلك كان صاحبه حفص بن سليمان ثبتاً في القراءة ، واهياً في الحديث ، وكان الأعمش بخلافه ثبتاً في الحديث ليناً في الحروف .
12 ـ قتادة بن دعامة السدوسي البصري هو حجة بالإجماع إذا بيّن السماع ، فإنه مدلس معروف بذلك ، وكان يرى القدر ، نسأل الله العفو . ومع هذا فما توقف أحد في صدقه ، وعدالته وحفظه ، ولعل الله يعذر أمثاله ممن تلبس ببدعة يريد بها تعظيم الباري وتنزيهه ، وبذل وسعه ، والله حكم عدل لطيف بعباده ، ولا يُسألُ عما يفعل . ثم إن الكبير من أئمة العلم إذا كثر صوابه ، وعُلم تحريه للحق ، واتسع علمه ، وظهر ذكاؤه ، وعُرف صلاحه وورعه واتباعه ، يغفر له زلله ( الزلل ) ، ولا نضلله ونطرحه ، وننسى محاسنه . نعم ولا نقتدي به في بدعته وخطئه ، ونرجو له التوبة من ذلك .
13 ـ ذُكر يحيى بن أبي كثير عند قتادة ، فقال : متى كان العلم في السّمَّاكين ، فذكر قتادة عند يحيى ، فقال : لا يزال أهل البصرة بشر ما كان فيهم قتادة . قلت ( الذهبي ) : كلام الأقران يطوى ولا يروى ، فإن ذُكِر تأمله المحدث ، فإن وجد له متابعاً ، وإلا أعرض عنه .
14 ـ قال هشام بن عبدالملك بن مروان الخليفة : ما بقي شيء من لذات الدنيا إلا وقد نلته إلا شيئاً واحداً ، أخ أرفع مؤنة التحفظ منه .
15 ـ قال محمد بن المنكدر : إن الله يحفظ العبد المؤمن في ولده وولد ولده ، ويحفظه في دويرته ودويرات حوله ، فما يزالون في حفظ أو في عافية ما كان بين ظهرانيهم .
16ـ قيل لابن المنكدر : أي الدنيا أحب إليك ؟ قال : الإفضال على الإخوان . وروى جعفر بن سليمان ، عن محمد بن المنكدر ، أنه كان يضع خده على الأرض ، ثم يقول لأمه : قومي ضعي قدمك على خدي.
17 ـ قال ابن عيينه : تبع ابن المنكدر جنازة سفيه ، فعوتب ، فقال : والله إني لأستحي من الله أن أرى رحمته عجزت عن أحد .
18 ـ قال مالك بن دينار : مذ عرفت الناس لم أفرح بمدحهم ، ولم أكره ذمهم لأن حامدهم مفرط ، وذامهم مفرط ، إذا تعلم العالم العلم للعمل كسره ، وإذا تعلمه لغير العمل ، زاده فخراً .
19 ـ روى جعفر بن سليمان ، عن مالك ( ابن دينار ) قال : إن الصديقين إذا قرئ عليهم القرآن طربت قلوبهم إلى الآخرة . ثم يقول : خذوا ، فيتلو ، ويقول : اسمعوا إلى قول الصادق من فوق عرشه .
20 ـ عن المنكدر بن محمد قال : كنّا مع صفوان بن سليم في جنازة وفيها أبي وأبو حازم ، وذكر نفراً من العباد ، فلما صُلِّي عليها ، قال صفوان : أمّا هذا ، فقد انقطعت عنه أعماله ، واحتاج إلى دعاء من خَلَف بعده ، قال : فأبكى والله القوم جميعاً .
21 ـ قال المبرد : وقف الكميت وهو صبي على الفرزدق وهو ينشد ، فقال : يا غلام : أيسرك أني أبوك ؟ قال : أما أبي ، فلا أبغي به بدلاً ، ولكن يسرني أن تكون أمي ، فحصر الفرزدق ، وقال : ما مرّ بي مثلها .
22 ـ قال أبو الأحوص : قال لنا أبو إسحاق ( السبيعي ) : يا معشر الشباب اغتنموا يعني : قوتكم وشبابكم ، قلّما مرت بي ليلة إلا وأنا أقرأ فيها ألف آية ، وإني لأقرأ البقرة في ركعة ، وإني لأصوم الأشهر الحرم ، وثلاثة أيام من كل شهر والأثنين والخميس .
23 ـ قال محمد بن سلاّم الجمحي : قيل لأبي الزناد : لم تحب الدراهم وهي تُدنيك من الدنيا ؟ فقال : إنها وإن أدنتني منها ، فقد صانتني عنها .
24 ـ كان من دعاء حسان بن عطية : اللهم إني أعوذ بك أن أتعزز بشيء من معصيتك ، وأن أتزين للناس بما يشينني عندك .
تعليقات
إرسال تعليق