سير أعلام النبلاء


فوائد من المجلد الحادي عشر :

1 ـ قال يحيى ( بن معين ) : ما رأيت على رجل خطأ إلا سترته ، وأحببت أن أُزَيِّن أمره ، وما استقبلت رجلاً في وجهه بأمر يكرهه ، ولكن أبين له خطأه فيما بيني وبينه ، فإن قبل ذلك ، وإلا تركته .



2 ـ صلى أحمد بن حنبل ، ويحيى بن معين في مسجد الرصافة ، فقام قاص ، فقال : حدثنا أحمد بن حنبل ، ويحيى بن معين ، قالا : حدثنا عبدالرزاق ، أخبرنا معمر ، عن قتادة ، عن أنس قال : قال رسول الله  : ( من قال لا إله إلا الله ، خلق الله من كل كلمة منها طيراً ، منقاره من ذهب ، وريشه من مرجان ) وأخذ في قصة نحو عشرين ورقة . فجعل أحمد ينظر إلى يحيى ، ويحيى ينظر إليه ، وهما يقولان : ما سمعنا بهذا إلا الساعة ) إلى آخر القصة المعروفة .
علّق الذهبي بقوله : هذه حكاية عجيبة ، وراويها البكري لا أعرفه ، فأخاف أن يكون وضَعَهَا.



3 ـ قال الميموني : كثيراً ما كنتُ أسأل أبا عبدالله ( الإمام أحمد بن حنبل ) عن الشيء ، فيقول : لبيك لبيك .



4 ـ عن رجل قال : رأيتُ أثر الغم في وجه أبي عبدالله ( الإمام أحمد ) ، وقد أثنى عليه شخص ، وقيل له : جزاك الله عن الإسلام خيراً . قال : بل جزى الله الإسلام عني خيراً . من أنا وما أنا ؟ !



5 ـ قال المرذوي : سمعتُ أبا عبدالله ( الإمام أحمد بن حنبل ) ذكر أخلاق الورعين ، فقال : أسأل الله أن لا يمقتنا . أين نحن من هؤلاء ؟ !


6. قال الإمام أحمد : كلُ من ذكرني ففي حل إلا مبتدعاً ، وقد جعلتُ أبا إسحاق ــــ يعني المعتصم ــــــ في حل ،ورأيت الله يقول : ( وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم ) وأمر النبي أبا بكر بالعفو في قصة مسطح . وما ينفعك أن يعذب الله أخاك المسلم في سببك ؟ !



7. وللإمام أحمد كلام كثير في التحذير من البدع وأهلها ، وأقوال في السنة . ومن نظر في كتاب السنة لأبي بكر الخلال رأى فيه علماً غزيراً ونقلاً كثيراً . وقد أوردت من ذلك جملة في ترجمة أبي عبدالله في تاريخ الإسلام ، وفي كتاب ( العزة للعلي العظيم ) . فترني عن إعادته هنا عدمُ النية ، فنسأل الله الهدى ، وحسن القصد.



8. قال عبدالله بن محمد الوراق : كنتُ في مجلس أحمد بن حنبل ، فقال : من أين أقبلتم ؟ قلنا : من مجلس أبي كريب ، فقال : اكتبوا عنه ، فإنه شيخ صالح ، فقلنا : إنه يطعن عليك . قال : فأي شيء حيلتي ، شيخ صالح قد بُلِيَ بي.



9. قال ابن عقيل : من عجيب ما سمعته عن هؤلاء الأحداث الجهال ، أنهم يقولون : أحمد ليس بفقيه ، لكنه مُحدِّث . قال : وهذا في غاية الجهل ، لأن له اختيارات بناها على الأحاديث بناءً لا يعرفه أكثرهم . وربما زاد على كبارهم .
قلت ( الذهبي ) : أحسبهم يظنونه كان محدثاً وبس ، بل يتخيلونه من بابة محدثي زماننا . ووالله لقد بلغ في الفقه خاصة رتبة الليث ، ومالك ، والشافعي ، وأبي يوسف ، وفي الزهد والورع رتبة الفضيل ، وإبراهيم بن أدهم ، وفي الحفظ رتبة شعبة ، ويحيى القطان ، وابن المديني . ولكن الجاهل لا يعلم رتبة نفسه ، فكيف يعرف رتبة غيره ؟ !.



10. قال الخلال : سمعت المرذوي ، سمعتُ أبا عبدالله ، ذكر أهله ، فترحم عليها ، وقال : مكثنا عشرين سنة ، ما اختلفنا في كلمة.



11. قال أحمد بن حفص السعدي ، شيخ ابن عدي : سمعت أحمد بن حنبل يقول : لم يعبر الجسر إلى خراسان مثل إسحاق ، وإن كان يخالفنا في أشياء ، فإن الناس لم يزل يُخالف بعضهم بعضا. 



12. قال أحمد بن أبي الحواري : سمعت أحمد بن عاصم ، يقول : إذا صارت المعاملة إلى القلب ، استراحت الجوارح ، هاه غنيمة باردة . أصلح فيما بقي ، يُغفر لك ما مضى ، ما أَغْبِطُ إلا من عرف مولاه.



13. قال الذهبي : وبكل حال كلام الأقران بعضهم في بعض يُحتمل وطيه أولى من بثه إلا أن يتفق المتعاصرون على جرح شيخ ، فيعتمد قولهم ، والله أعلم .


14. قال أبو تراب : قال شقيق لحاتم : مُذ صحبتني ، أي شيء تعلمتَ مني ؟ قال : ست كلمات :
رأيت الناس في شك من أمر الرزق ، فتوكلت على الله . قال الله تعالى : ( وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ) . ورأيت لكل رجل صديقاً يفشي إليه سره ، ويشكو إليه ، فصادقت الخير ليكون معي في الحساب ، ويجوز معي الصراط . ورأيتُ كل أحد له عدو ، فمن اغتابني ليس بعدوي ، ومن أخذ مني شيئاً ليس بعدوي ، بل عدوي من إذا كنت في طاعة ، أمرني بمعصية الله ، وذلك إبليس وجنوده ، فاتخذتهم عدواً وحاربتهم . ورأيت الناس كلهم لهم طالب ، وهو ملك الموت ، ففرغت له نفسي . ونظرت في الخلق ، فأحببت ذا ، وأبغضتُ ذا . فالذي أحببته لم يعطني ، والذي أبغضته لم يأخذ مني شيئاً ، فقلت من أين أُتيت ؟ فإذا هو من الحسد فطرحته ، وأحببتُ الكل ، فكل شيء لم أرضه لنفسي لم أرضه لهم . ورأيت الناس كلهم لهم بيت ومأوى ، ورأيت مأواي القبر ، فكل شيء قدرت عليه من الخير قدمته لنفسي لأعمر قبري .



15. أحمد بن أبي خيثمة ، له كتاب التاريخ الذي أحسن تصنيفه ، وأكثر فائدته ، فلا أعرف أغزر فوائد منه .



16. قال عليه الصلاة والسلام : ( إن الدين النصيحة . قالوا : لمن يارسول الله ؟ قال : لله ولكتابه ، ولأئمة المسلمين ، أو المؤمنين وعامتهم ) .
قال الذهبي : فتأمل هذه الكلمة الجامعة ، وهي قوله : ( الدين النصيحة ) ، فمن لم ينصح لله وللأئمة وللعامة ، كان ناقص الدين . وأنت لو دُعيتَ ، يا ناقص الدين ، لغضبتَ . فقل لي : متى نصحت لهؤلاء ؟ كلا والله ، بل ليتك تسكتُ ، ولا تنطقُ ، أو لا تُحسِّن لإمامك الباطل ، وتجرئه على الظلم وتغشه . فمن أجل ذلك سقطت من عينه ، ومن أعين المؤمنين . فبالله قل لي : متى يفلح من كان يسره ما يضره ؟ ومتى يُفلح من لم يراقب مولاه ؟ ومتى يفلح من دنا رحيله ، وانقرض جيله ، وساء فعله وقيله ؟ فما شاء الله كان ، وما نرجو صلاح أهل الزمان ، لكن لا ندع الدعاء ، لعل الله أن يلطف بنا ، وأن يصلحنا آمين . 



17. وأما البخاري فكان من كبار الأئمة الأذكياء ، فقال : ما قلت : ألفاظنا بالقرآن مخلوقة ، وإنما حركاتهم ، وأصواتهم وأفعالهم مخلوقة ، والقرآن المسموع المتلو الملفوظ المكتوب في المصاحف كلام الله غير مخلوق ، وصنف في ذلك كتاب ( أفعال العباد ) مجلد فأنكر عليه طائفة ، وما فهموا مرامه كالذهلي ، وأبي زرعة ، وأبي حاتم ، وأبي بكر الأعين ، وغيرهم . واتسع المقال في ذلك ، ولزم منه أمور وألوان ، تركها والله من حسن الإيمان وبالله نتأيد . 



18. دعبل ابن علي الخزاعي شاعر زمانه له ديوان مشهور ، يقال : لامه صاحب له في هجاء الخلفاء ، فقال : دعني من فضولك ، أنا والله ، أستصلب مذ سبعين سنة ، ما وجدت من يجود بخشبة .

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك

حلية الأولياء

حلية الأولياء