إنباه الرواة على أنباه النحاة
فوائد المجلد الأول
1. رأى عبيد الله بن أبي بكرة القاضي على أبي الأسود الدؤلي جبة رثة ، فقال له : يا أبا الأسود ، ما تملّ هذه الجُبّة ! فقال : رب مملول لا يُستطاع فراقه ! فوجه إليه بمائة ثوب ، فأنشأ أبو الأسود يقول :
كسـانـي ولــم أستكـسـه فشكـرتـه أخ * لــك يعطـيـك الجـزيـل ونـاصـرُ
وإن أحق الناس إن كنـت شاكـرا * بشكرك من أعطاك والعرضُ وافركسـانـي ولــم أستكـسـه فشكـرتـه أخ * لــك يعطـيـك الجـزيـل ونـاصـرُ
2. قال أبو بكر بن حميد : قلت لأبي عمر الزاهد : من هو السياري ؟ قال : خال لي كان رافضياً ، مكث أربعين سنة يدعوني إلى الرفض فلم أستجب له ، ومكثت أربعين سنة أدعوه إلى السنة فلم يستجب لي.
3. أحمد بن أبي الأسود القيرواني كان شاعراً مجيداً ، وكان قد عتب على ابن الزندي بعد مودة وتواصل ، فركب إليه ابن الزندي ، وسأله الرجعة إلى ما كان عليه ، فلم يجبه إلى ذلك ، وكاتبه مراراً ، وجاء إليه رسوله مرةً ببطاقة ، وعنده جماعة من طلاب الأدب ، فلما قرأها مدّ يده إلى القلم فأخذه ، وكتب إليه :
أما بعد فإن طول المناجاة تورث الملال ، وقلة غشيان الناس أفضل ، لقوله ( زر غباً تزدد حباً ) ، وللقلوب نبوة ، فإن أُكرِهت لم يكن لما يتولد منها لذة ، ولابد من استجمامها إلى غاياتها ، أسأل الله أن يجعلها منّا عزمة ، ومنك سلوة ، والملتقى إن شاء الله في داره وجواره ، حيث لا تحاسب ولا تصاحب ، والسلام .
أما بعد فإن طول المناجاة تورث الملال ، وقلة غشيان الناس أفضل ، لقوله ( زر غباً تزدد حباً ) ، وللقلوب نبوة ، فإن أُكرِهت لم يكن لما يتولد منها لذة ، ولابد من استجمامها إلى غاياتها ، أسأل الله أن يجعلها منّا عزمة ، ومنك سلوة ، والملتقى إن شاء الله في داره وجواره ، حيث لا تحاسب ولا تصاحب ، والسلام .
4. أحمد بن الحطيئة أبو العباس المغربي المقرئ العابد الصالح ، كانت له زوجة وابنة يكتبان خطاً مثل خطه وإذا شرعوا في كتاب أخذ كل واحد منهم جزءاً من الكتاب ، وكتب ، فلا يفرق بين خطوطهم ، ثم نسخوا الكثير بالأجرة والبيع . وكان إذا غلا شيء من المأكول تركه واشترى غيره ، ويقول : إذا تعدى الحد وفي غيره عنه غنى كان اشتراؤه سفهاً
5. لما صنف أبو العلاء ( المعري ) ، كتاب اللامع العزيزي ، في شرح شعر المتنبي ، وقرئ عليه ، أخذ الجماعة في وصفه . فقال أبو العلاء : رحم الله المتنبي ! كأنما نظر إليّ بلحظ الغيب ، حيث يقول :
أنا الذي نظـر الأعمـى إلــى أدبــي * وأسمعت كلماتي من به صمم
أنا الذي نظـر الأعمـى إلــى أدبــي * وأسمعت كلماتي من به صمم
6. ولقد قصده ( أبو العلاء المعري ) من الطلبة رجل أعجمي يعرف بالكرداني ، وكتب عنه فيما كتب " ذكرى حبيب " فقال : ويشهد الله أني معتذر إلى هذا القارئ من تقصيري فيما هو عليّ مفترض من حقوقه ، والاعتراف بالمعجَزة تمنع من اللائمة المنجّزة.
7. ونحن نذكر طرفاً مما بلغنا من شعره ( أبو العلاء المعري ) ، ليُعلم صحة ما يُحكى عنه من إلحاده .
8.
تتحدر العبرات مـن أحداقـه * فـتـرى لـهـا فــي خـــدِّه آثـــاراولربما امتزجت دماً من قلبه * حتى كأن الدمع يطلُب ثارا
الأقليشي .
9. قال أبو محمد الزهري : كان لثعلب عزاء ببعض أهله ، فتأخرت عنه إذ لم أعلم ، ثم قصدتُه معتذرا ؛ فقال لي : يا أبا محمد ، ما بك حاجة إلى تكلف عذر ؛ فإن الصديق لا يُحاسَب ، والعدو لا يُحتسب له .
10.قال بعض الطاهرية يوماً لثعلب : لو علمتَ مالك من الأجر في إفادة الناس العلم لصبرت على أذاهم ؛ فقال : لولا ذاك ما تعذّبت .
11. كان أبو العباس ( ثعلب) في آخر عمره قد ثَقُل سمعه ، وكان سبب وفاته ، كما شاء الله أنه كان يوم جمعة قد انصرف من الجامع بعد صلاة العصر ، وكان يتبعه جماعة من أصحابه إلى منزله ، فلما صار إلى درب بناحية باب الشام اتفق أن ابناً لإبراهيم بن أحمد البادراني يسير على دابة ، وخلفه خادم على دابة ، وكان أبو العباس هذا قد صُمّ ، ما يكاد يسمع الكلام إلا بعد تعب ، وكان في يده دفتر ينظر فيه ، وقد شغله عما سواه ، فصدمته دابة الخادم ، وهو لا يسمع حسها لصممه ، فسقط على رأسه في هُوّة من الطريق قد أُخِذ تُرابها ، فلم يقدر على القيام ، فحُمِل إلى منزله ، وهو كالمُختلط يتأوه من رأسه ، وكان سبب وفاته من ذلك .
12. إبراهيم بن قطن المهري ، كان عالماً بالعربية ، خَمَل ذِكْرُه ، بإشهار ذكر أخيه أبي الوليد عبدالملك بن قَطَن ، وهو كان سبب طلبه للعلم ، وذلك أن أبا الوليد دخل على أخيه إبراهيم ، فمد يده إلى كتاب من كتبه ينظر فيه ، ولم يكن يعلم شيئاً من هذا الشأن ، فجذبه إبراهيم من يده ، ووبخه بالجهل به ، فغضب أبو الوليد لِمَا قابله به أ خوه إبراهيم ، وأخذ في طلب العلم حتى علا عليه وعلى أهل زمانه ، واشتهر ذكره ، فخمل ذكْرُ إبراهيم ، حتى جهله الناس لشهرة أخيه .
13. حكى أبو الحسين محمد بن الحسين الفارسي النحوي قال : سمعتُ الصاحب ( ابن عباد ) يقول : أنفذ إليّ أبو العباس تاش الحاجب رقُعة في السِّر بخط صاحبه نوح بن منصور ملك خُراسان ، يُريدني فيها على الانحياز إلى حضرته ، ليُلقي إليّ مقاليد مُلْكه ، ويعتمدني لوزارته ، ويُحكِّمني في ثمرات بلاده ، قال : وكان مما اعتذرت به من تركي امتثال أمره حاجتي لنقل كتبي خاصة إلى أربعمائة جمل ، فما الظن بما يليق بها من تحمُّلي .
14. قال عمر بن شَبّة : ما رأيت مثل إسحاق بن إبراهيم قط ، قال : وسألته عما عنده من الكتب فقال : عندي مائة قمطر .
15. ولقد ذكر لي أبو الجود حاتم الكناني الصيداوي نزيل مصر ، وكان كاتباً يخالط أهل الأدب ، وأسنّ ، قال :سُئِلَ ابن القطّاع السعدي الصقلي اللغوي ، نزيل مصر ، عن معنى " الجيم " فقال : من أراد علم ذلك من الجماعة فليعطني مائة دينار ، حتى أفيده بذلك ، فما في القوم من نبس بكلمة ، ومات ابن القطاع ، ولم يُفدها أحدا . ولما سمعتُ ذلك من أبي الجود ، اجتهدت في مطالعة الكتب والنظر في اللغة ، إلى أن عثرت على الكلمة في مكان غامض من أمكنة اللغة ، فكنت أذاكر الجماعة ، فإذا جرى اسم " الجيم " أقول : من أراد علم ذلك فليعط عشرة دنانير ، فيسكت الحاضرون عند هذا القول . فانظر إلى قلة همة الناس وفساد طريق العلم ، ونقص العزم ! فلعن الله دنيا تختار على استفادة العلوم .
16. قال يعقوب بن السكيت : مات أبو عمرو الشيباني ، وله مائة وثماني عشرة سنة ، وكان يكتب بيده إلى أن مات ، وربما استعار مني الكتاب ، وأنا إذ ذاك صبيّ ، آخذ عنه ، وأكتب من كتبه .
17. كان بندار الأصبهاني ، يحفظ سبعمائة قصيدة ، أول كل قصيدة ( بانت سعاد ) .
18. سئل الحسن المقرئ : هل ذكره الخطيب في التاريخ ؟ ومع من ذكره ؟ أمع الكذّابين أم مع أهل الصدق ؟ فقيل له : ما ذكرك أصلاً ، فقال : ليته ذكرني ولو مع الكذابين .
19. قال الحسن بن إسماعيل : ذكر لي عبدالوهاب أبو سهل بن غوث كاتب محمد بن عبده أبي عبيدالله وأمينه على تنِّيس ودمياط وأعمالهما ، أنه يقيم مائة يوم وعشرين يوماً في الشتاء لا يشرب الماء ، وفي الصيف ثمانين كذلك لا يشرب الماء ، وأنه يأكل من الطعام المالح والحلو والحامض .
20. من تصانيف ابن رشيق ، كتاب العمدة في صناعة الشعر أربع مجلدات ، اشتمل من هذا النوع على ما لم يشتمل عليه تصنيف من نوعه ، وأحسن فيه غاية الإحسان . وذُكِر هذا الكتاب بحضرة القاضي الأجل الفاضل عبدالرحيم بن علي البيساني فقال : هو تاج الكتب المصنفة في هذا النوع .
21. الحسن بن صافي النحوي ، برع في النحو حتى صار أنحى أهل طبقته ، وكان فَهِماً ذكياً فصيحاً ، إلا أنه كان عنده عُجْب بنفسه وتيه بعلمه ، لقب نفسه ملك النحاة ، وكان يسخط على من يخاطبه بغير ذلك . كان مولع باستعمال الحلاوات السُكرية وإهدائها لجيرانه وإخوانه ، مغُرم مغرى بإحسانه إلى خلصائه وخلانه.
22. وكان سبب موته ( الخليل بن أحمد ) ، أنه قال : أريد أن أقرّب نوعاً من الحساب تمضي به الجارية إلى البقّال ، فلا يمكنه ظلمها ، ودخل المسجد وهو معمل فكره في ذلك ، فصدمته سارية ، وهو غافل عنها بفكره ، فانقلب على ظهره فكانت سبب موته ، وقيل : بل كان يُقطَّع بحراً من العروض .
تعليقات
إرسال تعليق