سير أعلام النبلاء
فوائد من المجلد العاشر :
1 ـ قال يونس الصدفي : ما رأيت أعقل من الشافعي ، ناظرته يوماً في مسألة ، ثم افترقنا ، ولقيني ، فأخذ بيدي ، ثم قال : يا أبا موسى ، ألا يستقيم أن نكون إخواناً وإن لم نتفق في مسألة.
2 ـ قال علي بن محمد بن أبان القاضي : حدثنا أبو يحيى زكريا الساجي ، حدثنا المزني ، قال : قلتُ : إن كان يُخرِجُ ما في ضميري ، وما تعلَّقَ به خاطري من أمر التوحيد فالشافعي ، فصرت إليه ، وهو في مسجد مصر ، فلما جثوت بين يديه ، قلت : هجس في ضميري مسألة في التوحيد ، فعلمت أن أحداً لا يعلم علمك ، فما الذي عندك ؟ فغضب ، ثم قال : أتدري أين أنت ؟ قلت : نعم ، قال : هذا الموضع الذي أغرق الله فيه فرعون . أبلغك أن رسول الله
أمر بالسؤال عن ذلك ؟ قلت : لا ، قال : هل تكلم فيه الصحابة ؟ قلت : لا ، قال : تدري كم نجماً في السماء ؟ قلت : لا ، قال : فكوكب منها تعرف جنسه ، طلوعه ، أفوله ، مم خُلِق ؟ قلت : لا ، قال : فشيء تراه بعينك من الخلق لست تعرفه ، تتكلم في علم خالقه ؟ ثم سألني عن مسألةِ في الوضوء ، فأخطأت فيها ، ففرعها على أربعة أوجه ، فلم أصب في شيء منه ، فقال : شيء تحتاج إليه في اليوم خمس مرات ، تدع علمه ، وتتكلف علم الخالق ، إذا هجس في ضميرك ذلك ، فارجع إلى الله ، وإلى قوله تعالى : ( وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم * إن في خلق السماوات والأرض ) فاستدل بالمخلوق على الخالق ، ولاتتكلف علم ما لم يبلغه عقلك . قال : فتبت .3 ـ عن الشافعي قال : ما كابرني أحد على الحق ودافع ، إلا سقط من عيني ، ولا قبله إلا هبته ، واعتقدت مودته .
4 ـ قال الربيع : أخذ رجل بركاب الشافعي ، فقال لي : أعطه أربعة دنانير ، واعذرني عنده . وقال الربيع : كان الشافعي ماراً بالحذَّائين ، فسقط سوطه ، فوثب غلام ، ومسحه بكمه ، وناوله ، فأعطاه سبعة دنانير.
5 ـ قال الربيع : مشيت خلف الشافعي ، فناوله إنسان رقعة يقول فيها : إنني بقال رأس مالي درهم ، وقد تزوجت : فأعنِّي ، فقال : يا ربيع أعطه ثلاثين ديناراً واعذرني عنده . فقلت : أصلحك الله ، إن هذا يكفيه عشرة دراهم ، فقال : ويحك ! وما يصنع بثلاثين ؟ أفي كذا ، أم في كذا ، يعُدُّ ما يصنعُ في جهازه ، أعطه .
6 ـ عن الشافعي قال : بئس الزاد إلى المعاد العدوان على العباد .
7 ـ قال موسى بن سهل الجوني : حدثنا أحمد بن صالح : قال لي الشافعي : تعبد من قبل أن ترأس ، فإنك إن ترأست ، لم تقدر أن تتعبد .
8 ـ قال أبو ثور : سمعت الشافعي يقول : ينبغي للفقيه أن يضع التراب على رأسه تواضعاً لله ، وشكراً لله .
9 ـ قال الذهبي : كلا م الأقران إذا تبرهن لنا أنه بهوى وعصبية ، لايلتفت إليه ، بل يُطوى ولا يروى ، كما تقرر عن الكف عن كثير مما شجر بين الصحابة وقتالهم أجمعين ، ومازال يمر بنا ذلك في الدواوين والكتب والأجزاء ، ولكن أكثر ذلك منقطع وضعيف ، وبعضه كذب ،وهذا فيما بأيدينا وبين علمائنا ، فينبغي طيه وإخفاؤه ، بل إعدامه لتصفو القلوب ، وتتوفر على حب الصحابة ، والترضي عنهم ، وكتمان ذلك متعيّن عن العامة وآحاد العلماء ، وقد يرخص في مطالعة ذلك خلوة للعالم المنصف العري من الهوى ، بشرط أن يستغفر لهم ، كما علمنا الله تعالى حيث يقول : ( والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ) . فالقوم لهم سوابق ، وأعمال مكفرة لما وقع منهم ، وجهاد محّاء ، وعبادة ممحصة ، ولسنا ممن يغلو في أحد منهم ، ولا ندّعي فيهم العصمة ، نقطع بأن بعضهم أفضل من بعض ، ونقطع بأن أبا بكر وعمر أفضل الأمة ، ثم تتمة العشرة المشهود لهم بالجنة ، وحمزة وجعفر ومعاذ وزيد ، وأمهات المؤمنين ، وبنات نبينا ، وأهل بدر مع كونهم على مراتب ، ثم الأفضل بعدهم مثل أبي الدرداء وسلمان الفارسي وابن عمر وسائر أهل بيعة الرضوان الذين رضي الله عنهم بنص آية سورة الفتح ثم عموم المهاجرين والأنصار كخالد بن الوليد والعباس وعبدالله بن عمرو ، وهذه الحلبة ، ثم سائر من صحب رسول الله وجاهد معه ، أو حج معه ، أو سمع منه ، رضي الله عنهم أجمعين وعن جميع صواحب رسول الله المهاجرات والمدنيات وأم الفضل وأم هانئ الهاشمية وسائر الصحابيات . فأما ما تنقله الرافضة وأهل البدع في كتبهم من ذلك ، فلا نعرّج عليه ، ولا كرامة ، فأكثره باطل وكذب وافتراء ، فدأب الروافض رواية الأباطيل ، أو رد ما في الصحاح والمسانيد ، ومتى إفاقة من به سَكَران ؟ !
ثم قد تكلم خلقٌ من التابعين بعضهم في بعض ، وتحاربوا وجرت أمور لا يمكن شرحها ، فلا فائدة في بثها ، ووقع في كتب التواريخ وكتب الجرح والتعديل أمور عجيبة ، والعاقل خصم نفسه ، ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ، ولحوم العلماء مسمومة ، وما نُقِلَ من ذلك لتبيين غلط العالم ،وكثرة وهمه ، أو نقص حفظه ، فليس من هذا النمط ، بل لتوضيح الحديث الصحيح من الحسن ، والحسن من الضعيف .
10 ـ قال محمد بن النعمان بن عبدالسلام : لم أر أعبد من يحيى بن حماد ، وأظنه لم يضحك .
قال الذهبي : الضحك اليسير والتبسم أفضل ، وعدمُ ذلك من مشايخ العلم على قسمين :
أحدهما : يكون فاضلاً لمن تركه أدباً وخوفاً من الله ، وحزناً على نفسه المسكينة .
والثاني : مذموم لمن فعله حمقاً وكبراً وتصنعاً ، كما أن من أكثر الضحك استُخِفَ به ، ولا ريب أن الضحك في الشباب أخف منه وأعذر منه في الشيوخ . وأما التبسم وطلاقة الوجه فأرفع من ذلك كله ، قال النبي : ( تبسمك في وجه أخيك صدقة ) ، وقال جرير : ما رآني رسول الله إلا تبسم . فهذا هو خلق الإسلام ، فأعلى المقامات من كان بكّاء بالليل ، بساماً بالنهار . وقال : ( لن تسعوا الناس بأموالكم ، فليسعهم منكم بسط الوجه ) . بقي هنا شيء : ينبغي لمن كان ضحوكاً بسّاماً أن يقصر من ذلك ، ويلوم نفسه حتى لا تمجه الأنفس ، وينبغي لمن كان عبوساً منقبضاً أن يتبسم ، ويُحسِّن خلقه ، ويمقت نفسه على رداءة خُلُقه ، وكل انحراف عن الاعتدال فمذموم ، ولا بد للنفس من مجاهدة وتأديب .
11 ـ عن محمد بن الحسن بن علي بن بحر : حدثنا الفلاّس قال : رأيت يحيى ( بن سعيد ) يوماً حدّث بحديث ، فقال له عفان : ليس هو هكذا . فلما كان من الغد ، أتيت يحيى ، فقال : هو كما قال عفّان ، ولقد سألت الله أن لا يكونَ عندي على خِلاف ما قال عفّان .
قلت ( الذهبي ) : هكذا كان العلماء ، فانظر يا مسكين كيفَ أنت عنهم بمعزل .
12 ـ قيل : أن المعتصم قال حين حانت وفاته : اللهم إني أخافك من قِبَلي ، ولا أخافك من قِبَلك ، وأرجوك من قِبَلِك ، ولا أرجوك من قِبَلي .
13 ـ قيل : جاء رجل إلى بشر ( الحافي ) ، فقبَّله ، وجعل يقول : يا سيدي أبا نصر. فلما ذهب ، قال بشرٌ لأصحابه : رجل ٌ أحبَّ رجلاً على خيرٍ توهَّمه ، لعل المُحبَّ قد نجا ، والمحبوب لا يُدرى ما حاله .
14 ـ عن أبي عبيد ( القاسم بن سلاّم ) أنه كان يقول : كنتُ في تصنيف هذا الكتاب (الغريب) أربعين سنة ، وربما كنتُ أستفيد الفائدة من أفواه الرجال ، فأضعها في الكتاب ، فأبيتُ ساهراً فرحاً مني بتلك الفائدة . وأحدكم يجيئُني ، فيقيم عندي أربعة أشهر ، خمسة أشهر ، فيقول : قد أقمت الكثير .
15 ـ قال أبو عبيد ( القاسم بن سلاّم ) : سمعني ابنُ إدريس أتلهف على بعض الشيوخ ، فقال لي : يا أبا عبيد ، مهما فاتك من العلم ، فلا يفوتنك من العمل .
16 ـ عن أبي عبيد قال : مَثَلُ الألفاظ الشريفة ، والمعاني الظريفة مثل القلائد اللائحة في الترائب الواضحة .
17 ـ قال يعقوب بن شيبة : أنفق العيشي على إخوانه أربعَ مئة ألف دينار في الله حتى التجأ إلى بيع سقف بيته .
18 ـ كان عبدالله بن طاهر يقول : سِمَنُ الكيس ونُبْلُ الذكر لا يجتمعان .
تعليقات
إرسال تعليق