إنباه الرواة على أنباه النحاة


فوائد المجلد الثاني


1. قال نصر بن علي الجهضمي : كان في جيراني رجل طفيلي ، وكنت إذا دُعيت إلى مدعاة ركب لركوبي ، فإذا دخلنا الموضع أُكْرِم من أجلي ، فاتخذ جعفر ابن سليمان أمير البصرة دعوة ، فدعيت إليها ، وقلت في نفسي : والله إن جاء هذا الرجل معي لأخزينه ، فلما ركبتُ ركب لركوبي ، ثم دخلت الدار ، فدخل معي ، وأُكرم من أجلي ، فلما حضرت المائدة قلت : حدثنا دُرُسْت بن زياد عن أبان بن طارق عن نافع عن ابن عمر عن النبي قال : ( من مشى إلى طعام لم يدع إليه مشى فاسقاً وأكل حراماً ) قال : فقال الطفيلي : استحييت لك يا أبا عمرو ، مثلك يتكلم بهذا الكلام على مائدة الأمير ! فليس هاهنا أحد إلا يظن أنك رميته بهذا الكلام ، ثم إنك لا تستحي تتحدث عن دُرُسْت بن زياد ، ودرست كذاب لا يحتج بحديثه ، عن أبان بن طارق ، وأبان كان صبياً من صبيان أهل المدينة يلعبون . ولكن أين أنت عما حدثنا أبو عاصم النبيل عن ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر ، عن النبي قال : ( طعام الواحد يكفي الإثنين ، وطعام الإثنين يكفي الأربعة ) ، قال نصر بن علي : فكأني ألقمت حجراً ، فلما خرجنا من الدار أنشأ الطفيلي يقول :
ومن ظن ممن يلاقي الحروب...
                     بألا يصاب فقد ظن عجزا  



2. كان أبو زيد الأنصاري يلقّب أصحابه ، فلقَّب الجرمي بالكلب لجدله واحمرار عينيه ، ولقب المازني تُدْرُج لمشيته ، ولقب التوزي أبا الوذواذ لخفة حركته وذكائه ، ولقَّب الزيادي طارقاً ، لأنه كان يأتيه بليل .



3. بلغ سعيد بن المبارك الدهان أن الغرق قد استولى على بغداد ، فسيّر من يحضر كتبه إن كانت سالمة ، فوجدها قد غرقت فيما غرق ، وزادها على الغرق أنّ خلْف مسكنه مدبغة فاض الماء منها إلى منزله ؛ فأهلك الكتب زيادة على هلاكها ، فلما أحضرت إليه أخذ في تأملها على نتنها وتغير لونها . فأشير عليه بأن يبخّر ما سلم منها على فساده بشيء مما يغير الرائحة ، فشرع في تبخيرها بالَّلاذن ، ولازم ذلك إلى أن بخَّرها بما يزيد على ثلاثين رطلاً من اللاذن . فطلع ذلك إلى رأسه وعينيه ، فأحدث له العمى ، فانكف بصره قبل موته  .


4. كان لسعيد بن محمد الغساني بالقيروان في أول دخول الشيعة مقامات محمودة ، ناضل فيها عن الدين ، وذبَّ عن السنن ، حتى مثّله أهل القيروان في حاله تلك بأحمد بن حنبل أيام المحنة ، وكان يناظرهم ويقول : قد أوفيت على التسعين ، ومابي إلى العيش من حاجة ، ولابدّ لي من المناضلة عن الدين ، وأن أبلغ في ذلك عذرا .



5. ألف صالح بن إسحاق الجرمي في النحو كتاب جيد يعرف ( بالفرخ ) ، معناه فرخ ( كتاب سيبويه ) . 



6. كان عبدالله بن محمد النيسابوري اللغوي جمّاعة للكتب ، كثير الحفظ لها إلى أن صارت جملة عظيمة ، وأُبيعت بأربعمائة ألف درهم ، وكان قد أعدّ في حياته داراً لكل من يقدم من المستفيدين ، فيأمر بإنزاله فيها ، ويزيح علّته في النسخ والوَرَق ، ويوسِّع النفقة عليه . 



7. أكل ابن قتيبة الدينوري هريسة فأصاب حرارة ، ثم صاح صيحة شديدة ثم أغمي عليه إلى وقت صلاة الظهر ، ثم اضطرب ساعة ، فما زال يتشهد إلى وقت السحر ، ثم مات . 



8. كتاب الجمل للزجاجي كتاب مبارك ما اشتغل به أحد إلا انتفع ، وسمعتُ من لفظ الشيخ أبي البقاء صالح بن عادي العذري الأنماطي النحوي نزيل قِفْط أن الزجاجي  صنّف الجمل بمكة حماها الله ، وكان إذا فرغ من باب طاف به أسبوعًا ، ودعا الله أن يغفر له ، وأن ينفع به قارئه ؛ فلهذا انتفع به الطلبة . 



9. كان عبدالسلام بن الحسين اللغوي سخيًا ، ربما جاءه السائل وليس معه شيء يعطيه فيدفع إليه بعض كتبه التي لها قيمة كبيرة وخطر كبير . 



10. قال الجاحظ : أردتُ الخروج إلى محمد بن عبدالملك الزيات ، ففكّرتُ في شيء أهديه إليه فلم أجد شيئًا أشرف من ( كتاب سيبويه ) . فقلت له : أردتُ أن أهدي إليك شيئًا ، ففكرت فإذا كل شيء عندك دونه ، فلم أر أشرف من ( كتاب سيبويه ) . وهذا كتاب سيبويه اشتريته من ميراث الفرّاء . فقال : والله ما أهديت إليّ شيئًا أحبّ إليّ منه . 


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك

حلية الأولياء

حلية الأولياء